التعاونيات المصرية
بوابة التعاونيات المصرية

هشام بيومي يكتب: الممر الصامت..وجغرافيا تتحرك

-

في الشرق الأوسط، لا تُبنى السكك الحديدية فقط لنقل البضائع؛ بل تُبنى لنقل النفوذ. وما بين أبوظبي وحيفا، يتشكل على مهل—وبصمت مقصود—ممرٌ اقتصادي يعيد رسم خرائط القوة، ويهدد ممرات كانت حتى الآن شرايين حياة لدول بأكملها.
الخبر المنشور عن استمرار بناء خط السكة الحديدية الذي يربط الإمارات بحيفا، رغم الحرب، ليس مجرد حدث اقتصادي… بل إشارة سياسية كاشفة عن مشروع أكبر بكثير من قطار سريع يمر عبر صحراء الخليج والأردن والسعودية.

إنه مشروع لإعادة ترتيب الجغرافيا السياسية والاقتصادية في المنطقة، ويقف في قلبه سؤال مصري خطير:
هل يُراد لهذا القطار أن يكون بديلاً — أو منافسًا قاتلًا — لقناة السويس؟

أولًا: من “سكة السلام” إلى IMEC… ولادة ممر يزاحم قناة السويس

المبادرة التي بدأت عام 2018 تحت اسم "خط السلام" تطورت بضغط أمريكي–هندي–إسرائيلي إلى ما يُعرف اليوم بـ الممر الاقتصادي الهند–الشرق الأوسط–أوروبا IMEC.
فكرة المشروع بسيطة، لكنها جريئة:

بضائع من الهند → إلى الإمارات بحراً

ثم تنتقل عبر السعودية والأردن → إلى إسرائيل عبر قطار سريع

ثم تنطلق من ميناء حيفا → إلى أوروبا بحراً

بمعنى آخر…
مسار كامل يختصر دور قناة السويس كممر رئيسي بين الشرق والغرب.

هذا الممر لا ينقل بضائع فقط، بل ينقل كابلات اتصالات و أنابيب طاقة، ويحوّل إسرائيل—بلا مبالغة—إلى محور اقتصادي تتحرك من حوله التجارة والتكنولوجيا والطاقة.

المشروع يُبنى في لحظة حرب، بزيارات "سرية" إلى أبوظبي، وسباق مع تركيا وفرنسا لإقصاء إسرائيل من الممر.
أي أنه ليس مشروعًا اقتصاديًا بحتًا؛ بل معركة دولية على النفوذ والمكاسب الاستراتيجية.

ثانيًا: لماذا يعتبر هذا الممر تهديدًا مباشرًا لقناة السويس؟

قناة السويس ليست مجرد ممر ملاحي؛
هي عمود فقري للاقتصاد المصري، تدخل خزينته سنويًا مليارات الدولارات، وتحدد مكانته الجيوسياسية.

اليوم، يقف منافس جديد أمامها…
منافس بري–بحري يَعِد بما يلي:

1. تقليل الزمن بشكل حاد

يعد المشروع بنقل بضائع من الهند إلى أوروبا عبر إسرائيل في زمن أقل من المرور عبر قناة السويس، وسط حديث عن وصول بضائع طازجة — مثل الأناناس! — خلال 12 ساعة فقط.

2. أسعار منافسة للشحن

تكلفة النقل بالقطارات قد تكون أقل في بعض الحالات من مرور السفن العملاقة عبر القناة.

3. تحالف سياسي ضد مصر

الهند + إسرائيل + الإمارات + السعودية (في مرحلة لاحقة)
هذه ليست مجرد شراكة اقتصادية؛
إنها منظومة جديدة تتشكل خارج نطاق النفوذ المصري.

4. دعم أمريكي–أوروبي

الغرب يريد ممرًا لا يمر عبر مناطق تراها واشنطن “غير مستقرة”.
وبالتالي، أي نجاح للممر الجديد يعني خصمًا مباشرًا من عائدات قناة السويس.

ثالثًا: مصر… الاقتصاد المهدَّد في عموده الفقري

قناة السويس تُدخل ما بين 7 إلى 9 مليارات دولار سنويًا، وهي واحدة من آخر موارد العملة الصعبة الثابتة في مصر.
أي ممر بديل—even لو أخذ 10% فقط من الحركة الحالية—سيصيب الاقتصاد المصري في قلبه.

المشروع الجديد يشكل تحديًا وجوديًا:

يهدد موارد القناة

يقلل من أهمية الموقع الجغرافي لمصر

يضعف أوراقها التفاوضية في المنطقة

ينقل مركز الثقل التجاري إلى الخليج وإسرائيل بدلًا من مصر

بمعنى آخر…
الممر الجديد يشبه فعليًا “قناة سويس برية”، لكنه خارج الأراضي المصرية.

رابعًا: البعد السياسي… “شرق أوسط جديد” بدون مركزية مصر

هذا المشروع ليس مجرد قطار.
إنه إعادة هندسة للشرق الأوسط:

إسرائيل تتحول إلى نقطة وصل بين أوروبا والخليج

الإمارات تصبح مركز تجارة عالمي أكثر استقلالًا عن مصر

السعودية تعزز نفوذها الإقليمي عبر دور محوري في النقل

الأردن يحصل على دور اقتصادي لم يكن متاحًا سابقًا

أوروبا والهند تربطان نفسيهما بشبكة تجنب المرور بمصر

وبذلك، فإن وزن مصر السياسي يتراجع في معادلة الشرق الأوسط الجديد.

خامسًا: هل هو مشروع لضرب الاقتصاد المصري؟

ليس من الضروري أن نستخدم لغة المؤامرة لنقول الحقيقة:
نعم، المشروع يضرب الاقتصاد المصري بطريقة مباشرة وغير مباشرة.

هل هو مصمم خصيصًا لضرب مصر؟
ربما ليس الهدف الأساسي…
لكن النتيجة النهائية واحدة:
تراجع أهمية قناة السويس = تراجع قوة مصر.

وهنا تكمن الخطورة الأكبر:
الدول لا تُحارب دائمًا بالسلاح…
أحيانًا تُحاصر بالممرات، وتُضعف بالطرق التجارية.

سادسًا: ماذا يجب على مصر أن تفعل؟

بدلًا من مراقبة “قطار أبوظبي–حيفا” وهو يمر بجانبها، على مصر أن:

1. تطور قناة السويس وطرقها اللوجستية

تحويل المنطقة الاقتصادية للقناة إلى مركز تصنيع وتكنولوجيا، وليس ممر عبور فقط.

2. خلق تحالفات مضادة

تعاون أعمق مع الهند والصين ودول شرق أفريقيا.

3. عمل ممرات برية وبحرية مكملة للقناة

مشروعات سكك حديدية سريعة تربط البحر الأحمر بالمتوسط داخل مصر.

4. استخدام ثقلها السياسي مع السعودية

لجعل أي مشروع جديد تكامليًا لا إقصائيًا.

5. تقديم حوافز للشحن الدولي

تخفيضات، تسهيلات، مناطق صناعية…
لجعل المرور عبر القناة الأكثر جدوى.

قطار أبوظبي – حيفا ليس مجرد مشروع هندسي.
إنه مشروع جيوسياسي يعيد صياغة خرائط القوة.
وما بين القضبان الممتدة من الخليج إلى المتوسط، يتحرك قطار آخر، غير مرئي…
قطار النفوذ، والتحالفات، والاقتصادات الصاعدة.

أما مصر…
فهي اليوم أمام اختبار تاريخي:
إما أن تطور ممرها الأزلي — قناة السويس — وتحوّله إلى قوة لا يمكن تجاوزها،
أو تترك القطار الجديد يقترب…
حتى يصبح ممرًا موازيًا، ينافس، وربما يبتلع جزءًا من الدور الذي لعبته مصر لقرن ونصف.

الزمن الآن يسير على القضبان…
وعلى القاهرة أن تختار:
هل تظل محطة نهائية، أم تتحول إلى مجرد محطة جانبية؟