التعاونيات المصرية
بوابة التعاونيات المصرية

د/ الهام الدسوقي تكتب .. امتحانات على صفيح ساخن

-

تعيش القاهرة والمحافظات المصرية في حالة من الترقب والتوتر مع انطلاق موسم الامتحانات، تكتظ الشوارع بالطلاب وتزدحم وسائل المواصلات منذ الصباح الباكر. وفي المدارس والجامعات، تسود أجواء من الجدية والانضباط، وتُرفع حالة الاستعداد القصوى لضمان سير الامتحانات بسلاسة. ولا يختلف المشهد كثيرًا بين العاصمة والأقاليم، فالجميع يشترك في الإحساس بأن هذه الفترة تمثل لحظة فاصلة في حياة آلاف الأسر المصرية.
ولا أجد ما يعبر عن هذه الفترة أكثر من دموع الأمهات وهي تودع ابنائها على باب المدرسة وقلوبهم تبتهل بالدعاء
ونواجه خلال هذه الفترة العديد من التحديات، يأتي في مقدمتها الضغط النفسي الواقع على الطلاب، والخوف من الإخفاق أو عدم تحقيق التوقعات المرجوة. كما تظهر تحديات تنظيمية مثل الزحام، وتأخر اللجان أحيانًا، واختلاف مستوى صعوبة بعض الامتحانات. ولا يمكن إغفال دور الشائعات وتسريبات الامتحانات التي تزيد من القلق العام، فضلًا عن التحديات المرتبطة بالظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر على استعداد الطلاب وتركيزهم.
ورغم هذه الصعوبات، تبقى للامتحانات فوائد لا يمكن إنكارها، فهي أداة لتقييم الجهد المبذول طوال العام، وفرصة حقيقية لغرس قيم الانضباط والمسؤولية والاعتماد على النفس. كما تساعد الامتحانات الطلاب على تنظيم وقتهم، وتدربهم على مواجهة الضغوط واتخاذ القرارات في لحظات حاسمة. وهي أيضًا وسيلة لاكتشاف الفروق الفردية والقدرات الحقيقية، وتمهيد الطريق أمام التفوق والتميز.
في موسم الامتحانات تتشابك الأدوار وتتداخل الجهود، فلا يعود الطالب وحده في قلب المشهد، بل تحيط به منظومة كاملة تعمل في صمت وحزم في آن واحد. فالمعلم يتحول من الشرح داخل الفصل إلى مرشد نفسي وتربوي، يخفف القلق عن طلابه، ويعيد ترتيب أفكارهم، ويضرب لهم أمثلة على كيفية تنظيم الوقت وحسن الإجابة.
وفي الوقت نفسه، تتحرك الإدارة المدرسية كخلية نحل، تنظم اللجان، وتجهز القاعات، وتفرض الانضباط، وتتعامل بحزم مع أي محاولة للإخلال بسير الامتحان. قراراتها في منع الغش أو تطبيق اللوائح دون تهاون ليست مجرد إجراءات إدارية، بل رسائل تربوية تؤكد أن النجاح لا يُبنى على التحايل، وأن تكافؤ الفرص حق للجميع. ومن خلفها تتابع المديرية التعليمية المشهد بأكمله، تشرف وتنسق وتواجه الأزمات الطارئة، وقد تضطر لاتخاذ قرارات مصيرية كإلغاء امتحان أو إعادته حفاظًا على العدالة والمصداقية.
أما الوزارة، فتقف في قمة هذا الهرم، ترسم السياسات العامة، وتحدد نظم التقييم، وتصدر القرارات التي قد تغيّر ملامح التعليم كله. قرارات تطوير الامتحانات، أو تشديد العقوبات على الغش، أو إدخال أنظمة حديثة للتقييم، لا تمس الطلاب فقط، بل تؤسس لثقافة تعليمية جديدة قوامها الجدية والشفافية وربط التعليم بالحياة.
وسط هذا كله، يظل ولي الأمر شريكًا أصيلًا لا يقل دورًا عن أي جهة أخرى، فداخل البيت تُزرع القيم الأولى. عندما يختار ولي الأمر أن يدعم ابنه نفسيًا، ويعلمه أن الاجتهاد أهم من الدرجات، وأن الغش طريق قصير لنهاية مؤلمة، فإنه يتخذ قرارًا مصيريًا في بناء شخصية ابنه. فالامتحانات قد تنتهي خلال أيام، لكن القيم التي تُغرس في هذه اللحظات الحاسمة تبقى أثرًا ممتدًا، وتصنع إنسانًا يعرف أن العلم أمانة، وأن النجاح الحقيقي يبدأ من الضمير قبل الشهادة.
تحمل الامتحانات في مصر العديد من القصص والعبر التي تتناقلها الأجيال، بين طالب تحدى الظروف الصعبة وحقق حلمه، وآخر تعلم من تجربة الإخفاق طريق النجاح لاحقًا. قصص الكفاح في القرى والنجوع، والاجتهاد في المدن الكبرى، تؤكد أن الامتحان ليس نهاية الطريق بل محطة للتعلم والنضج. ومن رحم هذه التجارب تولد دروس في الصبر والمثابرة، تؤكد أن النجاح الحقيقي لا يقاس بدرجة فقط، بل بالإرادة والقدرة على النهوض من جديد.
انها ملحمة أبطالها كل أفراد المجتمع، طالب، معلم، مدير، وزير، ولى أمر تتعاون لإنتاج جيل واعي مثقف في عالم سريع التغير.