التعاونيات المصرية
بوابة التعاونيات المصرية

سامية عبد الحفيظ تكتب .. حين يكون الاعتذار أعلى من المنصب

-

في زمنٍ أصبحت فيه الكراسي غاية،والألقاب مشروع حياة، والمناصب سلعة يتسابق إليها الناس كما لو كانت خلاصًا شخصيًا… تأتي لحظة نادرة تُعيد تعريف المعادلة.

حين يُعرض عليك مقعد في مجلس سيادي، في دولة تمر بمنعطف تاريخي، في لحظة يتصارع فيها الطامحون، ثم تقول البيان التالي..(تابعتُ بمشاعر من التقدير والامتنان ما تفضل به بعض أبناء وبنات قطاع الوسط من ترشيحي لعضوية مجلس السيادة.......) فإن هذه الثقة تمثل لي شرفاً عظيماً ومسؤولية كبيرة، وتعكس إيماناً بمسيرتي وموقفي الوطني، وهو أمر أعتز به وأقدره عالياً غير أنني، وبعد تقدير عميق للمرحلة وتعقيداتها، أرى أن مسؤوليتي الحقيقية في هذا التوقيت تظل في ساحة العمل القاعدي، حيث تُبنى القوة من جذورها، وتُنتزع الحقوق بالوعي والتنظيم والإرادة الجماعية.
أنا مؤمنة بأن بناء الدولة العادلة لا يبدأ من القمة فحسب، بل من تمكين الضعفاء حتى يصبحوا شركاء حقيقيين في صناعة القرار وقد اخترت أن أكون في صف الذين لم تُتح لهم المنابر، وأن أعمل ليقوى صوتهم، لا أن أكتفي بتمثيلهم من موقع رسمي.. لم أرفض التكليف تهرباً من المسؤولية، بل التزاماً برؤية أعمق لدوري الوطني؛ فقد خُلقت لأناصر الضعفاء حتى ينالوا حقوقهم، ولأساند الأقوياء حين يقفون في صف الحق.. سأظل كما عهدتموني: صوتاً للعدالة، ويداً للبناء، وشريكة في كل مشروع وطني صادق يسعى لإعمار الإنسان وصون كرامته.
أكرر شكري وامتناني لكل من منحني ثقته، وأرجو أن نمضي معاً في معركة الإصلاح من أي موقع، فالوطن أكبر من المناصب، وأبقى .
سيدة سودانية تعطي درساً تاريخياً يسجل في تاريخ الأمة العربية والأفريقية .. تعتذر لمرشحيها عن منصب المجلس السيادي.. ليس خوفًا.. ليس عجزًا.. وليس انسحابًا من المشهد فلقد عرفت بقوة شخصيتها وصرامتها وصدامها ،كما عرفت بلطفها وقوة فكرها .. إنها سامية عبد الحفيظ ابراهيم.. صاحبة نظرية البناء واعادة البناء .. اعتذرت وأوضحت في كلمات باحترافية بأنها تؤمن أن القيمة ليست في الجلوس على القمة بل في بناء القاعدة فالسلطة ليست موقعًا… بل موقف .. كثيرون يتصورون أن القوة في الاقتراب من مركز القرار.. لكن القوة في ان تعيش مأساة انسان..فحين يصبح المنصب غاية، تضيع الرسالة.. وحين تبقى الرسالة هي الغاية، يصبح المنصب مجرد وسيلة… يمكن قبولها أو تركها.. فالاعتذار عن المجلس السيادي لم يكن قرارًا سياسيًا عابرًا.. كان إعلانًا فلسفيًا واضحًا: إن بناء الانسان أولى من السلطة.. وأن قيادة الضعيف أشرف من تمثيل الأقوياء.
في زمن السباق… كان التوقف هو السبق .. التاريخ لا يخلّد الذين جلسوا على الكراسي.
التاريخ يخلّد الذين أعادوا تعريفها.. فحين تتسابق النخب نحو القمة، ويختار أحدهم النزول إلى الناس، فهو لا ينسحب من الدولة بل يعيد تأسيسها من الأسفل.. وهذا هو الدرس الذي تحتاجه مجتمعات العرب وأفريقيا ودول العالم الثالث: أن النهضة لا تبدأ من فوق..بل من القاعدة.. من الفكرة.. من التنظيم المجتمعي.. من التعاون.. من إعادة بناء الإنسان قبل إعادة توزيع السلطة.
الدرس الذي يجب أن يُكتب
في مرحلة سياسية مضطربة،
ثبتت واقعة تاريخية بسيطة في شكلها، عميقة في معناها:
أن الاعتذار عن المنصب يمكن أن يكون أقوى من قبوله..أن تقول "أفضل أن أقود الضعيف" أبلغ من أن تقول "أمثل الدولة".. أن ترفض حين يندفع الجميع هو أعلى درجات السيادة على الذات.. هذا ليس انسحابًا… بل اختيار موقع المعركة.. المعركة الحقيقية ليست داخل قاعات السيادة.. المعركة في الاقتصاد القاعدي.. في إعادة بناء المؤسسات المجتمعية.. في الصيرفة الاجتماعية.. في التعليم.. في الكرامة اليومية للمواطن.. هناك تُصنع الدول.. لا في البيانات الرسمية.
رسالة للعرب والأفارقة ودول العالم الثالث .. لا تنهض الأمم بكثرة الطامحين للمناصب.. تنهض بكثرة الذين يستطيعون رفضها.. حين يتحول المنصب من هدف إلى تكليف مشروط بالقيم، تبدأ الدولة في التعافي.
وحين يثبت شخص واحد أن السلطة ليست إغراءً بل مسؤولية، فهو يفتح بابًا أخلاقيًا جديدًا في الحياة العامة..فقوة الموقف… أقوى من قوة المنصب.. المنصب يمنحك سلطة على الآخرين.. أما الموقف فيمنحك سلطة على نفسك.. والتاريخ لا يُكتب بأسماء شاغلي المناصب فقط،
بل يُكتب بأسماء الذين علّموا الناس أن الكرامة السياسية ممكنة.. وهنا يبدأ التغيير الحقيقي.

كاتبة المقال رئيسة المؤسسة التعاونية التجارية القومية بالسودان.