حكيمة خالص تكتب .. التعاونيات بين الطموح والواقع: أين يكمن الخلل؟

شهدت الحركة التعاونية خلال العقود الأخيرة تطورا ملحوظاً في العديد من الدول العربية، حيث أصبحت التعاونيات أداة مهمة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ووسيلة فعالة لخلق فرص الشغل وتحسين مستوى عيش فئات واسعة من المواطنين.
وقد ساهمت الحكومات والمؤسسات الداعمة في إطلاق العديد من البرامج والمبادرات الرامية إلى تشجيع تأسيس التعاونيات ومواكبتها وتمويلها، إيمانا منها بالدور الذي يمكن أن يلعبه هذا القطاع في تحقيق التنمية المحلية وتعزيز الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
ورغم هذا الزخم المتزايد، فإن واقع العديد من التعاونيات العربية يطرح مجموعة من التساؤلات المشروعة حول قدرتها على الاستمرار وتحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها.
فبين الطموحات الكبيرة والنتائج المتواضعة أحياناً، تبرز الحاجة إلى قراءة موضوعية تبحث في مكامن القوة ومواطن الخلل، بعيداً عن التبريرات الجاهزة أو الأحكام المسبقة.
أولاً: التأسيس ليس هو النجاح:
تشير الإحصائيات في العديد من الدول العربية إلى ارتفاع عدد التعاونيات التي يتم تأسيسها سنوياً، وهو مؤشر إيجابي يعكس انتشار ثقافة العمل التعاوني.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في عدد التعاونيات التي يتم إنشاؤها، بل في عدد التعاونيات القادرة على الاستمرار والنمو وتحقيق أثر اقتصادي واجتماعي ملموس.
فالتأسيس يمثل نقطة البداية فقط، بينما يتطلب النجاح رؤية واضحة، وتخطيطاً استراتيجياً، وقدرة على التكيف مع متغيرات السوق ومتطلبات الأعضاء.
إن الخلط بين تأسيس التعاونية ونجاحها يعد من أبرز الإشكالات التي تواجه القطاع التعاوني في العديد من البلدان العربية.
ثانيا : التمويل ضرورة... لكنه ليس الحل السحري:
ينظر إلى التمويل في كثير من الأحيان باعتباره المفتاح الأساسي لنجاح التعاونيات.
ولا شك أن التمويل عنصر مهم لتوفير التجهيزات وتطوير الأنشطة وتحسين الإنتاج.
لكن التجارب الميدانية أثبتت أن العديد من التعاونيات التي استفادت من برامج الدعم والتمويل لم تتمكن من تحقيق الاستدامة المطلوبة.
فالمال قد يساعد على الانطلاق، لكنه لا يضمن حسن التدبير أو جودة التسويق أو كفاءة القيادة.
إن التعاونية التي تعتمد على التمويل فقط دون بناء قدراتها الذاتية تظل معرضة للصعوبات بمجرد انتهاء الدعم.
ثالثا : الحوكمة... الحلقة الأكثر تأثيرا:
تشكل الحوكمة الجيدة أحد أهم عوامل نجاح التعاونيات
فالتعاونيات الناجحة تتميز بوضوح الأدوار والمسؤوليات، واحترام القوانين الداخلية، وشفافية اتخاذ القرار، وتفعيل المشاركة الفعلية للأعضاء.
في المقابل، تعاني بعض التعاونيات من مشكلات مرتبطة بضعف التواصل، وتداخل الاختصاصات، وغياب التخطيط، وصعوبة تدبير الخلافات الداخلية.
وغالبا ما تكون هذه الإشكالات سببا مباشرا في تراجع الأداء وفقدان الثقة بين الأعضاء.
رابعا: التسويق... التحدي الذي لا يزال يؤرق التعاونيات:
رغم الجهود المبذولة لتحسين جودة المنتجات والخدمات التعاونية، فإن التسويق ما يزال يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه العديد من التعاونيات العربية.
فجودة المنتج وحدها لم تعد كافية في سوق تتزايد فيه المنافسة يوما بعد يوم.
أصبح من الضروري تطوير الهوية البصرية، وبناء العلامة التجارية، والاستفادة من الوسائل الرقمية الحديثة للوصول إلى المستهلكين وفتح أسواق جديدة.
إن نجاح التعاونية لا يقاس فقط بما تنتجه، بل بقدرتها على إيصال هذا المنتج إلى السوق وتحويله إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
خامسا: الاستثمار في الإنسان قبل الاستثمار في المعدات:
تظهر التجارب الناجحة أن أهم استثمار يمكن أن تقوم به أي تعاونية هو الاستثمار في العنصر البشري.
فالمعدات والتجهيزات يمكن اقتناؤها، لكن الكفاءات والمهارات والقيادات القادرة على إدارة المشاريع لا تُشترى بالمال.
ومن هنا تبرز أهمية التكوين المستمر، وتطوير القدرات، وتشجيع التعلم والابتكار داخل التعاونيات.
فكلما ارتفع مستوى كفاءة الأعضاء، ازدادت فرص نجاح التعاونية وقدرتها على مواجهة التحديات.
سادسا: من ثقافة الانتظار إلى ثقافة المبادرة:
من بين التحديات التي تواجه بعض التعاونيات العربية استمرار ثقافة انتظار الدعم والبحث الدائم عن المساعدات والمنح.
وفي حين يظل الدعم عاملاً مهما في المراحل الأولى، فإن الاعتماد المفرط عليه قد يحد من روح المبادرة والابتكار.
إن التعاونيات الأكثر نجاحا هي تلك التي تمكنت من بناء مواردها الذاتية، وتنويع مصادر دخلها، وإقامة شراكات فعالة مع مختلف الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين.
نحو نموذج تعاوني أكثر استدامة:
إن مستقبل التعاونيات العربية لا يرتبط فقط بحجم التمويل أو عدد المشاريع المحدثة، بل بقدرتها على بناء نماذج اقتصادية واجتماعية مستدامة وقادرة على خلق القيمة.
وتبقى الحكامة الجيدة، والتكوين المستمر، والتسويق الفعال، والقيادة الواعية، من أهم الركائز التي يمكن أن تضمن نجاح التعاونيات واستمرارها.
فالرهان اليوم لم يعد تأسيس المزيد من التعاونيات فحسب، بل بناء تعاونيات قوية ومبتكرة وقادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها العالم.
إن التعاونيات العربية تمتلك من الإمكانات والطاقات ما يؤهلها لتكون فاعلا أساسيا في تحقيق التنمية المستدامة وخلق الثروة وفرص الشغل.
غير أن تحقيق هذا الطموح يتطلب الانتقال من منطق البحث عن الحلول الظرفية إلى بناء رؤية استراتيجية طويلة المدى تقوم على الكفاءة والابتكار والحكامة الرشيدة.
فالسؤال الحقيقي لم يعد: كيف نؤسس المزيد من التعاونيات؟
بل أصبح: كيف نبني تعاونيات قادرة على الاستمرار والنجاح وصناعة الأثر؟
وهنا يكمن التحدي الحقيقي.

