عبد الفتاح الشلبى يكتب .. المرأة التعاونية الريفية ”حارسة الأرض وصانعة الاكتفاء”
يحتفل العالم باليوم الدولي للمرأة الريفية في الخامس عشر من شهر تشرين الأول من كل عام التزاما بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (62/136) لعام 2007، والذي يؤكد على أهمية دور المرأة الريفية في عملية التنمية من خلال مشاركتها في تعزيز القطاع الزراعي، والمساهمة في منظومة الأمن الغذائي، بالإضافة إلى مكافحة مشكلتي الفقر والبطالة عبر التمكين الاقتصادي.
هذه المناسبة الدولية مدعاة لتسليط الضوء على إسهامات المرأة التعاونية الأردنية في مناطق الريف باعتبارها إحدى دعائم القطاعين الزراعي والإنتاجي المرتبطين بالعملية الزراعية، والتصنيع الغذائي للمنتجات الريفية، وتقديرا لها على جهدها وتعبها في حراسة الأرض وفلاحتها، وصناعة النماء والاكتفاء الذاتي على صعيد الأسرة والمجتمع المحلي.
وعلى مر الأزمنة من عمر الدولة الأردنية، كانت المرأة في مناطق الريف صنو الرجل، تعمل إلى جانبه في حراثة الأرض، وزراعتها، ترعى غرسها، وتسقي أشجارها، وتعتني بمزروعاتها، وتشارك في مواسم الحصاد بإقبال المحبة لوليدها الصغير الذي رأته يكبر أمام عينيها يوما بعد يوم، حتى اشتد ساعده وأضحى رجلا يختال بعنفوان ليكون لها عونا في مسيرة المستقبل المأمول.
ولأن العمل التعاوني في وطننا منذ بداياته ارتبط بالأرض والزراعة تحديدا، أسهمت المرأة الريفية في تشكيل ملامح الحركة التعاونية الأردنية عبر عضويتها في التعاونيات الزراعية، مشكلة بذلك حالة فريدة من الاندماج المجتمعي، إذ لم تعد النظرة إلى المرأة الريفية مقتصرة على دورها الأسري والتقليدي في المجتمع، بل غدت شريكة في العمل وصنع القرار المؤسسي، ومساهمة في عملية الإنتاج، وتحسين الواقع المعيشي والاقتصادي والاجتماعي الخاص بها وبأفراد عائلتها ومجتمعها.
وبلغة الأرقام، يمكننا الإشارة إلى التأثير الملموس للمرأة التعاونية الريفية في القطاع التعاوني الأردني الذي يمثل (1455) تعاونية منها (72) تعاونية نسائية يبلغ عدد أعضائها (3500) سيدة، فيما يقدر عدد النساء التعاونيات بـ(25) ألف سيدة من إجمالي الأعضاء التعاونيين البالغ (127) ألف تعاوني، علما بأن التعاونيات النسائية والنساء التعاونيات يعملن في مجالات الزراعة، والتصنيع الغذائي، والمنتجات الريفية، والمطابخ الإنتاجية، والحرف اليدوية والتراثية وغيرها.
وعليه، تنشط المرأة التعاونية الأردنية، خاصة الريفية، ضمن طيف واسع من الأنماط التعاونية، التي من خلالها تخدم مجتمعها المحلي بشكل مباشر، بينما يتوزع دورها التنموي على ثلاثة أنواع تعاونية حيوية، هي (الزراعية، متعددة الأغراض، النسائية) بالدرجة الأولى، فضلا عن بقية أنواع التعاونيات الأخرى التي تنضوي في عضويتها نساء أردنيات.
إن انخراط المرأة في الحركة التعاونية الأردنية، والعمل عبر مشاريع التعاونيات لم يسهم في تحقيق الاستقلال المالي لها وإشراكها في العملية التنموية متعددة الجوانب والأوجه فقط، بل شكل قفزة نوعية نحو تحسين الواقع المعيشي في المناطق الريفية والمحافظات الطرفية، لا سيما أن المرأة التعاونية الريفية ساهمت في رفع مستوى دخل الأسرة، وعززت من مكانتها الاقتصادية بوصفها عنصرا فاعلا في المجتمع، وتتمتع بالقدرة على إحداث التغيير المنشود.
إلى جانب تلك المنافع الاقتصادية، مثلت التعاونيات للمرأة الريفية أداة تنموية لتطوير مهاراتها القيادية والاجتماعية من خلال المشاركة في صنع القرار والإدارة، كونها أتاحت لها ممارسة حقها الديمقراطي في الترشح والانتخاب، والوصول إلى هرم القيادة، جانبا إلى جنب تعزيز دورها في الرقابة والمتابعة لأعمال وأنشطة التعاونية.
هذا التمكين المؤسسي بلا شك ساهم في حضور المرأة التعاونية الريفية في عملية التنمية المحلية الشاملة، وجعل منها صاحبة بصمة على صعيد العمل التعاوني في صياغة الخطط التي تقود إلى تحقيق ذلك، وبما ينسجم مع التوجيهات الملكية السامية بضرورة إدماج المرأة في مسارات التحديث الثلاثة (السياسية، الاقتصادية، الإدارية).
وفي ضوء ذلك الاهتمام بالمرأة التعاونية من مختلف مرجعيات صناعة القرار في الدولة الأردنية، تمكنت التعاونيات النسائية من تسطير قصص نجاح تروى على رؤوس الأشهاد بمداد من الفخر والإنجاز والعطاء الذي لا ينضب، وعلى سبيل المثال لا الحصر (تعاونية الذوق الرفيع النسائية في إربد، وتعاونية سيدات عراق الأمير في عمان)، لتكونا في مقام التكريم الملكي السامي بميدالية اليوبيل الفضي في العام 2024، بمناسبة مرور (25) عاما على تولي جلالة الملك عبدالله الثاني، حفظه الله، سلطاته الدستورية؛ وذلك تقديرا لمساهمتها في خدمة الأردن، خاصة أبناء وبنات المجتمع المحلي.
ولا يخلو سجل التعاونيات النسائية من الإنجازات، فقد تبع التكريم الملكي إشادة منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) بالعديد منها ضمن كتاب (أصوات التعاونيات 2026)، الذي يسلط الضوء على قصص نجاح (19) تعاونية تضم في عضويتها نساء من الريف، وتنشط في مجال الزراعة والتصنيع الغذائي، فضلا عن مشاركة النساء التعاونيات في عضوية اللجان المنبثقة عن التحالف التعاوني الدولي (ICA)، مثالا لجنة المرأة، وفي العديد من الفعاليات والبرامج والمؤتمرات الدولية والإقليمية والأنشطة التعاونية المحلية، إلى جانب تمثيل النساء التعاونيات في مجلس إدارة المؤسسة التعاونية الأردنية عبر تخصيص (3) مقاعد لهن بموجب قانون التعاونيات رقم (13) لسنة 2025.
ها نحن اليوم، نقف أمام محطة هامة من مسار المرأة التعاونية في الأردن بكل فخر واعتزاز بتاريخها التعاوني لما حققته من إنجازات في دروب النجاح، ولقدرتها على تجاوز التحديات باقتدار وإصرار متسلحة بعزيمة لا تلين لها قناة لأجل مواصلة رسم المستقبل وصناعة الأمل، مع التأكيد على أهمية وضرورة الاستثمار في دعم التعاونيات النسائية، وفتح الآفاق للمرأة التعاونية في مناطق الريف لتكون من دعائم الاستقرار المجتمعي، ومن ركائز النمو الاقتصادي باعتبارها حارسة للأرض، وصانعة للنماء والاكتفاء، ومحركا رئيسيا للتنمية المستدامة.
ختاما، تحية تقدير للمرأة التعاونية الأردنية في اليوم الدولي للمرأة الريفية على ما قدمت وتقدم في مجالات التنمية المحلية لا سيما في القطاع الزراعي، ولمساهمتها في تعزيز منظومة الأمن الغذائي وتعزيز الهوية التعاونية.








