رنده صباحي و«التحدي» الروسي.. حضور لافت في تقديم احتفالية اليوم الثقافي بمهرجان بردية السينمائي.
كتبت نوره قاسم.
ليست كل المناسبات الثقافية مجرد لقاءات عابرة تنتهي بانطفاء الأضواء، فبعضها يترك في الذاكرة معنى يتجاوز حدود المكان، ويذكّرنا بأن الفن قادر على جمع الشعوب حول لغة إنسانية واحدة، مهما اختلفت الأوطان وتباينت الثقافات. ومن هذا المعنى، احتضن مسرح الإبداع الفني بدار الأوبرا المصرية فعاليات اليوم الثقافي الروسي، ضمن الدورة الثالثة من مهرجان بردية السينمائي، بالتعاون مع المركز الثقافي الروسي بالقاهرة، في احتفالية امتزجت فيها السينما بالموسيقى، والتقت فيها التجارب الفنية بروح التواصل الحضاري.
وفي قلب هذه الأمسية، قدمت الإعلامية رنده صباحي فعاليات الاحتفالية، بحضور مهني لافت وأداء اتسم بالاتزان والوضوح، بما يتناسب مع طبيعة حدث يحتفي بالثقافة بوصفها مساحة للتعارف والتقارب. وجاء حضورها على خشبة المسرح جزءًا من مشهد ثقافي متكامل، تتطلب فيه مهمة التقديم أكثر من مجرد الانتقال بين الفقرات؛ إذ يصبح المقدم حلقة وصل بين الحدث وجمهوره، وبين الرسالة التي يحملها الفن والمشاعر التي يوقظها في النفوس.
وشكل عرض الفيلم الروسي «التحدي»، للمخرج كليم شيبينكو وبطولة يوليا بيريسيلد، إحدى أبرز محطات الاحتفالية، لما يحمله العمل من تجربة استثنائية في تاريخ الإنتاج السينمائي، بعد تصوير مشاهد فعلية منه في الفضاء على متن محطة الفضاء الدولية. وهي تجربة تكشف كيف تستطيع السينما أن تتجاوز حدود المألوف، وأن تحوّل الطموح الإنساني إلى صورة نابضة بالحياة، تجمع بين العلم والمغامرة والإبداع، وتمنح المشاهد فرصة للتأمل في قدرة الإنسان على الوصول إلى آفاق كانت تبدو بعيدة المنال.
ولم تتوقف الأمسية عند حدود الشاشة، بل امتدت إلى فقرات موسيقية وغنائية استحضرت ملامح من الثقافة الروسية، لتمنح الحضور تجربة متعددة الحواس، تتجاور فيها الصورة مع الإيقاع، وتتكامل فيها الفنون في التعبير عن هوية شعب وتاريخه. ففي مثل هذه اللقاءات، لا تكون الموسيقى مجرد فقرة ضمن برنامج احتفالي، بل تصبح لغة عابرة للحدود، تصل إلى الوجدان حتى حين تعجز الكلمات عن نقل كل ما تحمله الثقافات من معانٍ وتفاصيل.
وشهدت الفعاليات حضور المخرج مجدي أبو عميرة، رئيس لجنة تحكيم مهرجان بردية السينمائي، والفنان والمخرج محسن صبري، والدكتورة ليلى المغربي، إلى جانب عزة أبو اليزيد، مؤسسة ورئيسة المهرجان، والدكتور فاديم زايتشيكوف، مدير المراكز الثقافية الروسية في مصر، وشريف جاد، مدير النشاط الثقافي بالبيت الروسي في القاهرة والأمين العام لجمعية الصداقة المصرية الروسية، والصحفي والناقد الفني محمد الصناديلي، رئيس تحرير قناة سلام نيوز، فضلًا عن عدد من المهتمين بالفن والثقافة.
ويحمل حضور عزة أبو اليزيد، بصفتها مؤسسة ورئيسة مهرجان بردية السينمائي، أهمية خاصة في سياق الفعاليات التي توسّع مساحة التلاقي بين الثقافات، وتفتح أمام الجمهور نوافذ للتعرف إلى تجارب فنية مختلفة. فالمهرجانات لا تكتسب قيمتها من عروضها وحدها، وإنما أيضًا من قدرتها على خلق فرص للحوار، وتشجيع الاكتشاف، وإتاحة مساحات تلتقي فيها الرؤى الفنية بعيدًا عن الحدود الجغرافية.
كما يعكس التعاون الثقافي المصري الروسي أهمية الشراكات التي تجعل الفن وسيلة للتقارب والتفاهم، وتمنح الجمهور فرصة لاكتشاف ملامح من ثقافة أخرى من خلال السينما والموسيقى والفنون. فحين تتاح للإنسان فرصة الاقتراب من تجربة مختلفة، تتسع رؤيته للعالم، ويصبح الاختلاف مدخلًا للمعرفة لا حاجزًا أمام التواصل.
وتتجاوز دلالة هذه الاحتفالية حدود برنامجها الفني، لتعيد التأكيد على أن الثقافة ليست ترفًا منفصلًا عن الحياة، بل ضرورة إنسانية تحفظ الذاكرة، وتفتح أبواب المعرفة، وتمنح الشعوب فرصة لرؤية بعضها بعضًا بعيدًا عن الصور النمطية. ومن خلال الفن، يمكن لحكاية تنتمي إلى مكان بعيد أن تجد طريقها إلى قلب إنسان لم يزره يومًا، لأن المشاعر الصادقة لا تحتاج إلى ترجمة كي تصل.
وفي هذا الإطار، جاء تقديم الإعلامية رنده صباحي للفعالية منسجمًا مع طبيعة الأمسية التي جمعت بين الاحتفاء بالسينما والتعريف بالثقافة، في مشهد يؤكد أهمية الحضور الإعلامي القادر على مواكبة الفعاليات الثقافية وتقديمها للجمهور بصورة تليق بقيمتها. فالإعلام الثقافي لا يكتفي بنقل ما يحدث على خشبة المسرح، بل يسهم في إبراز المعنى الكامن وراء الحدث، وفي تقريب التجارب الفنية من الناس.
وتواصل الدورة الثالثة من مهرجان بردية السينمائي تقديم فعاليات تجمع بين عروض الأفلام واللقاءات الثقافية، بما يدعم حضور السينما القصيرة والمستقلة، ويمنح الإبداع مساحات أوسع للتعبير والتواصل. وبين تجربة سينمائية امتدت إلى الفضاء، وموسيقى حملت ملامح ثقافة بعيدة، ولقاء جمع شخصيات من مجالات فنية وثقافية متعددة، بقيت الرسالة الأهم أن الفن يستطيع أن يصنع مساحة مشتركة بين البشر، وأن يذكّرنا بأن ما يجمع القلوب أوسع دائمًا مما يفرقها.













