التعاونيات المصرية
بوابة التعاونيات المصرية صوت الحركة التعاونية المصرية
الإثنين 12 أكتوبر 2026 09:31 مـ 1 جمادى أول 1448 هـ
رئيس التحريرمحمد جعفر
رئيس مجلس الإدارةخالد السجاعى
الرئيس التنفيذي لـ «إمكان IMKAN»: النيل يمتلك مقومات فريدة لجذب أثرياء العالم وصناعة تجارب سياحية استثنائية وزير الزراعة يلتقي ممثلي بعض الفلاحين بالبحيرة لمناقشة سبل تطوير الخدمات قيادي بـ «مستقبل وطن»: مصداقية أوروبا الحقوقية على المحك أمام قضية أحمد ناصر حسام أشرف زغلول: ملاحقة شباب مصر والتغاضي عن اعتداءات المتطرفين على سفاراتها سقوط أخلاقي للمعايير الأوروبية حزب المصريين: احتجاز أحمد ناصر يفضح ازدواجية المعايير الهولندية.. وحماية المسيئين لمصر انتهاك صارخ لمبادئ العدالة متابعةً للمخرجات الحكومية: مدير ”المؤسسة التعاونية الأردنية” يطلع على مشاريع ”سيدات عراق الأمير” ننشر تشكيل مجلس الإدارة الجديد لجمعية ”المنقف” التعاونية الاستهلاكية بالكويت وزيرة التضامن الاجتماعي تشهد حفل افتتاح مكتب ”قطر الخيرية” في مصر بوابة ”التعاونيات المصرية” تلتقى د. وائل عبد العزيز المشرف على قطاع التعاون الإنتاجى بوزارة التضامن الاجتماعى فى حوار خاص ميناء الإسكندرية يستقبل 2265 رسالة غذائية واردة للسوق المصرية سلامة الغذاء تواصل التفتيش على السلع الإستراتيجية وتدعم تخزين القمح بجميع المحافظات سلامة الغذاء تستقبل 102 شكوى وسط حملات استجابة فورية لخدمة المواطنين

هندسة الاستدامة في المملكة.. من المبنى الأخضر إلى الأصل العقاري عالي الأداء

بقلم المهندس أحمد خالد – الرئيس التنفيذي لشركة IMKANORA | إمكانورا – المملكة العربية السعودية

لم تعد الاستدامة في قطاع التشييد بالمملكة العربية السعودية مجرد توجه بيئي أو إضافة تكنولوجية للمشروعات، بل أصبحت جزءًا من جودة القرار الهندسي وقيمة الاستثمار العقاري على المدى الطويل، بالتوازي مع التحول العمراني الذي تشهده المملكة ومستهدفات رؤية السعودية 2030.

المبنى المستدام لا يبدأ بالألواح الشمسية ولا بالمساحات الخضراء، وإنما يبدأ من أول خط في التصميم، اتجاه المبنى، ومعالجة الواجهات، ونسب الزجاج، والعزل الحراري، والتظليل، وكفاءة أنظمة التكييف والإضاءة، كلها قرارات تؤثر مباشرة في حجم استهلاك الطاقة وتكاليف التشغيل طوال عمر المشروع، وفي المناخ السعودي تحديدًا، فإن خفض الحمل الحراري من البداية قد يكون أكثر كفاءة من الاعتماد لاحقًا على معدات أكبر لمعالجة مشكلة كان يمكن تجنبها بالتصميم.

ومن هنا تبرز أهمية التصميم المتكامل، بحيث يعمل المعماري والإنشائي ومهندسو الكهرباء والميكانيكا ومتخصصو الطاقة والاستدامة والتشغيل ضمن منظومة واحدة منذ المراحل الأولى، فالمبنى ليس مجموعة تخصصات منفصلة، كل قرار في الواجهة أو المواد أو أنظمة التكييف يمكن أن ينعكس على الطاقة والتكلفة والصيانة والأداء النهائي للأصل.

وتمنح أدوات المحاكاة الرقمية وEnergy Modeling وBIM فرصة لاتخاذ قرارات أكثر دقة قبل التنفيذ، من خلال مقارنة البدائل وقياس أثرها على الاستهلاك والأحمال والتكلفة، ومع ربط المبنى بأنظمة BMS والحساسات والعدادات الفرعية، يصبح من الممكن متابعة الأداء الفعلي واكتشاف الهدر والانحرافات مبكرًا بدل انتظار ظهورها في فواتير التشغيل أو أعطال المعدات.

لكن التكنولوجيا وحدها لا تصنع مبنى مستدامًا، القيمة الحقيقية تظهر عندما تتحول البيانات إلى قرارات تشغيلية، وعندما يستمر النموذج الرقمي للمشروع بعد التسليم ليصبح أداة لإدارة الأصل والصيانة والتنبؤ بالأعطال وتحسين الأداء.

وفي المملكة تكتسب المياه أهمية لا تقل عن الطاقة، لذلك يجب أن تبدأ كفاءة المياه من دراسة Water Balance للمشروع، مرورًا بأنظمة الري واختيار النباتات الملائمة للبيئة المحلية ووصولًا إلى القياس وإدارة الاستهلاك وإمكانات إعادة الاستخدام وفق المتطلبات الفنية والتنظيمية.

كما يجب ألا يقتصر تقييم المواد على سعر الشراء، الخرسانة والحديد والزجاج والألمنيوم ومواد العزل والتشطيبات تحمل أثرًا بيئيًا واقتصاديًا يمتد طوال دورة حياة المبنى، وهنا تظهر أهمية Life Cycle Assessment وLife Cycle Costing في اختيار المواد والحلول وفق العمر الافتراضي والصيانة والكفاءة وإمكانات إعادة الاستخدام والتدوير، وليس وفق التكلفة الأولية وحدها.

والاستدامة الحقيقية لا تنفصل عن الإنسان، جودة الهواء الداخلي والتهوية والراحة الحرارية والإضاءة الطبيعية والصوتيات واختيار المواد منخفضة الانبعاثات عناصر أساسية في جودة المبنى، فلا قيمة لمشروع منخفض الاستهلاك إذا كان يوفر بيئة غير مريحة أو غير صحية لمستخدميه.

اقتصاديًا، نحن بحاجة إلى الانتقال من التفكير في تكلفة الإنشاء CAPEX فقط إلى مفهوم Total Cost of Ownership، فالنظام الأرخص عند التوريد قد يصبح الأعلى تكلفة بعد سنوات من استهلاك الطاقة والصيانة والاستبدال، المستثمر الذكي لا يسأل فقط كم كلفني المبنى حتى يوم التسليم، وإنما كم سيكلفني هذا الأصل طوال عمره الاقتصادي وما القيمة التي سيحتفظ بها مستقبلًا.

وللمملكة فرصة مهمة لتطوير نموذج سعودي خاص للمباني المستدامة، يستفيد من التقنيات الحديثة دون أن ينفصل عن المناخ والهوية المحلية، فالظل والأفنية ومعالجة الفتحات والواجهات عناصر عرفتها العمارة المحلية قبل ظهور مصطلح المباني الخضراء، ويمكن اليوم إعادة توظيف هذا المنطق باستخدام المحاكاة الحرارية والذكاء الاصطناعي والنمذجة الرقمية والمواد الحديثة.

مستقبل البناء في المملكة لن يقاس فقط بحجم المشروعات أو ارتفاع المباني، وإنما بقدرتها على تحقيق أداء يمكن قياسه، واستهلاك أكثر كفاءة، وتكلفة تشغيل أقل، وبيئة أفضل للإنسان، وعمر أطول للأصل العقاري.

هذا في تقديري هو المعنى الحقيقي للاستدامة في ظل رؤية السعودية 2030، ألا تكون الاستدامة عنوانًا يضاف إلى المشروع، بل منهجًا يحكم تصميمه وتنفيذه وتشغيله منذ اليوم الأول.