الإسراء والمعراج… رحلة إيمانية تُلهم مسيرة التعليم
بقلم د الهام الدسوقي
الخبير السلوكي التعليمي
تمر علينا ذكرى الإسراء والمعراج كل عام، لا باعتبارها حدثًا تاريخيًا عظيمًا فحسب، بل بوصفها محطة إيمانية وتربوية غنية بالدلالات والمعاني. فقد جاءت هذه المعجزة الإلهية في وقت اشتدت فيه المحن على النبي محمد ﷺ، لتكون رسالة طمأنينة بأن بعد العسر يسرًا، وبعد التعب تكريمًا، وهي رسالة لا تقل أهمية اليوم في عالم التعليم وبناء الأجيال.
بدأت رحلة الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، في انتقال خارق لقوانين المكان والزمان، أعقبه المعراج إلى السماوات العُلا، حيث التقى النبي ﷺ بالأنبياء، وفرضت الصلاة لتكون الصلة الدائمة بين الإنسان وربه. وفي هذا المشهد تتجلى قيمة العلم والنظام والانضباط، فالسماوات مراتب، واللقاءات ترتيب، والصلاة توقيت، وكلها مفاهيم تقوم عليها العملية التعليمية الناجحة.
ومن زاوية تربوية، تمثل الإسراء والمعراج نموذجًا حيًا لرحلة التعلم؛ فالتعلم الحقيقي يبدأ بالصبر والتحمل، ثم الانتقال التدريجي نحو الفهم والارتقاء. وكما لم تكن المعجزة نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة من الدعوة، فإن التعليم ليس حفظًا للمعلومات، وإنما بناء للوعي والشخصية القادرة على مواجهة التحديات. وهنا تتجلى العلاقة الوثيقة بين الإيمان والعلم، حيث يصبح العلم وسيلة للنهضة لا مجرد تحصيل دراسي.
أما بالنسبة للطلاب، فإن في هذه الذكرى رسائل واضحة؛ أبرزها أن النجاح لا يولد من الراحة، بل من المثابرة، وأن تنظيم الوقت سر التفوق، كما تعلمنا الصلاة، وأن الطموح لا سقف له، فالمعراج دعوة دائمة للتطلع إلى الأعلى علمًا وأخلاقًا. كما تؤكد الذكرى أن الثقة بالله وبالذات هي الوقود الحقيقي لكل إنجاز، وأن القيم والانضباط هما أساس التميز المستدام.
ختامًا، تبقى ذكرى الإسراء والمعراج مدرسة متجددة، تذكرنا بأن التعليم رحلة ارتقاء مستمرة، تبدأ بالإيمان، وتعبر بالصبر، وتصل إلى التميز. وإذا استلهمنا معانيها في مدارسنا وبيوتنا، استطعنا أن نُخرج أجيالًا متعلمة، واعية، قادرة على البناء والنهوض بالمجتمع.








