حكيمة خالص تكتب .. التعاونيات قاطرة التنمية الوطنية
في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة، لم تعد التنمية الوطنية رهينة فقط بالاستثمار الرأسمالي أو السياسات العمومية الكلاسيكية، بل أضحت مرتبطة بقدرة المجتمعات على تنظيم ذاتها، وتثمين مواردها البشرية والطبيعية، وبناء نماذج اقتصادية أكثر عدالة واستدامة.. ومن هنا، تبرز التعاونيات كإحدى أهم قواطر التنمية الوطنية، لما تحمله من قيم التضامن، والديمقراطية الاقتصادية، والإدماج الاجتماعي.
أولا: التعاونيات .. منطق اقتصادى بقيم إنسانية:
التعاونية ليست مجرد إطار قانوني للإنتاج أو التسويق، بل هي مشروع مجتمعي يقوم على:
* التملك الجماعي،
* التسيير الديمقراطي،
* تقاسم المخاطر والمكاسب،
* إعادة توزيع القيمة داخل المجال الترابي.
هذا النموذج يحقق توازنا دقيقا بين النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وهو ما يجعل التعاونيات فاعلاً أساسياً في:
* خلق فرص الشغل اللائق،
* محاربة الهشاشة،
* تثبيت الساكنة في المجالات القروية والجبلية،
* إدماج النساء والشباب في الدورة الاقتصادية.
ثانيا: الشراكة .. رافعة أساسية لنجاح التعاونيات:
لا يمكن للتعاونيات أن تقوم بدورها التنموي بمعزل عن منظومة شراكات متكاملة تشمل:
* الدولة ومؤسساتها،
* الجماعات الترابية،
* القطاع الخاص،
* المجتمع المدني،
* الجامعات ومراكز البحث.
فالشراكة الذكية تتيح:
* الولوج إلى التمويل،
* نقل الخبرات والمعرفة،
* تحسين الجودة والمعايير،
* فتح أسواق وطنية ودولية.
ومن دون شراكات حقيقية، تظل العديد من التعاونيات حبيسة الإنتاج المحدود، وغير قادرة على الانتقال من منطق البقاء إلى منطق الاستدامة والتوسع.
ثالثا: الابتكار .. شرط البقاء والتنافسية:
في عصر الرقمنة والعولمة، لم يعد كافياً أن تنتج التعاونية منتوجاً جيداً، بل أصبح مطلوباً منها:
* الابتكار في طرق الإنتاج،
* التجديد في التصميم والتغليف،
* اعتماد التسويق الرقمي،
* الاستجابة لمتطلبات السوق والجودة.
الابتكار داخل التعاونيات ليس ترفاً، بل ضرورة استراتيجية تضمن:
* رفع القيمة المضافة،
* تحسين دخل الأعضاء،
* تعزيز تنافسية المنتوج التعاوني،
* حماية التراث المحلي عبر تثمينه بآليات حديثة.
رابعا: الحماية الاجتماعية.. بعد إنسانى للتنمية:
تشكل التعاونيات جسرا حقيقياً نحو الحماية الاجتماعية، خاصة بالنسبة للفئات التي ظلت لعقود خارج أي تغطية:
* النساء في العالم القروي،
* الحرفيون والصناع التقليديون،
* الفلاحون الصغار،
* العاملون في الاقتصاد غير المهيكل.
فإدماج أعضاء التعاونيات في منظومة الحماية الاجتماعية:
* يعزز الكرامة الإنسانية،
* يضمن الاستقرار الاجتماعي،
* يشجع على الانخراط في العمل المنظم،
* يحول التعاونية من فضاء إنتاج فقط إلى فضاء أمان اجتماعي.
خامسا: نحو رؤية وطنية مندمجة للتعاونيات:
إن جعل التعاونيات قاطرة حقيقية للتنمية الوطنية يقتضي:
* رؤية استراتيجية واضحة،
* تبسيط المساطر الإدارية،
* تقوية التكوين والتأطير،
* ربط الدعم بالنجاعة والأثر الاجتماعي،
* تثمين التجارب الناجحة ونقلها.
فالتعاونيات ليست هامش الاقتصاد، بل هي قلب اقتصاد المستقبل حين تُدار بعقلية حديثة، وتُؤطر بسياسات ذكية، وتُحمى بقوانين عادلة.
خاتمة:
إن التعاونيات، بما تمثله من شراكة، ابتكار، وحماية اجتماعية، ليست مجرد خيار اقتصادي، بل هي اختيار حضاري يعكس إرادة بناء تنمية وطنية شاملة، عادلة، ومستدامة. وعندما نراهن على التعاونية، فإننا لا نستثمر فقط في مشروع، بل نستثمر في الإنسان، والمجال، والمستقبل.








