كيف تتحول حرب إيران إلى أداة لكبح الصعود الصيني
إعداد/ عبد القادر الرصيف
يرى كثير من المحللين أن المواجهة الجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية وذراعها العسكرية في المنطقة (إسرائيل) من جهة وإيران من جهة أخرى ليست سوى حلقة جديدة في مسلسل الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل ووفق هذا الطرح فإن الهدف يتمثل في تمكين إسرائيل من المضي قدمًا نحو تطبيق استراتيجية تقوم على صياغة (شرق أوسط بلا قوى إقليمية مؤثرة يضمن أمن إسرائيل)، ويستند هذا الاتجاه
إلى اعتبار امتلاك إيران للسلاح النووي تهديدًا مباشرًا تسعى واشنطن إلى إزالته بأي وسيلة ممكنة.
غير أن هذا التفسير رغم وجاهته يمثل جزءًا من الصورة وليس كاملها فالأحداث الجارية يمكن قراءتها أيضًا في سياق أوسع يرتبط بالتحولات الكبرى في بنية النظام الدولي وبالسياسة التي انتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتي ركزت بصورة واضحة على تحجيم الصعود الصيني، فقد نجحت الصين خلال السنوات الأخيرة في بناء حصون اقتصادية متينة مقرونة بتطوير قدرات شاملة في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والتجارة الدولية بما أثار قلقًا متزايدًا لدى واشنطن التي ترى في نفسها القوة المهيمنة على النظام العالمي.
انطلاقًا من هذا القلق عمل ترامب على تبني سياسات اقتصادية وتجارية تستهدف إبطاء التمدد الصيني من خلال تقييد الواردات الصينية والضغط على سلاسل الإمداد التي تعتمد عليها بكين في دعم نموها الصناعي وفي هذا الإطار جاء التحرك الأمريكي لقطع الإمدادات النفطية الفنزويلية عن الصين عبر استهداف القيادة السياسية في فنزويلا، باعتبارها حليفًا رئيسيًا لبكين في مجال الطاقة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد ليشمل السعي إلى تقليص الإمدادات النفطية الإيرانية المتجهة
إلى الصين، بما يضع بكين أمام تحديات طاقوية قد تؤثر في مسارها التنموي وقدرتها على التحول
إلى منافس ندّي في النظام الدولي، ومن منظور ترامب فإن التحكم في سلاسل الإمداد العالمية يمثل أداة استراتيجية فعالة لكبح سرعة التقدم الصيني خاصة في ظل ما تعتبره واشنطن تراجعًا نسبيًا في قدرتها على المنافسة الصناعية والتكنولوجية المباشرة مع بكين.
ورغم أن هذا التحليل يضع الحرب في إطار صراع مصالح دولي من الدرجة الأولى فإنه لا يخلو
من مخاطر غير محسوبة، فإمكانية توجه الصين إلى تعميق اعتمادها على روسيا في مجال إمدادات الطاقة قد تعيد تشكيل موازين القوى بصورة معاكسة للأهداف الأمريكية، إذ أن تعزيز الشراكة الصينية الروسية قد يمنح موسكو دفعة اقتصادية واستراتيجية يصعب على واشنطن احتواؤها بخلاف ما فعلته مع فنزويلا أو ما تسعى إليه تجاه إيران.
أما تداعيات هذه الحرب على الأمن الإقليمي فإن اتساع رقعة الصراع يهدد بإعادة تشكيل خريطة التحالفات والتوازنات في الشرق الأوسط بصورة قد تزيد من معدلات الاستقطاب والتوتر، فاحتمالات انخراط أطراف إقليمية أخرى أو امتداد المواجهة إلى مسارات بحرية حيوية وممرات طاقة استراتيجية من شأنها تعميق حالة عدم الاستقرار.
وبالنسبة للأمن القومى المصرى فإن التداعيات تمس أمنها القومي على أكثر من مستوى فأي اضطراب في أمن البحر الأحمر أو الممرات الملاحية وعلى رأسها قناة السويس ينعكس مباشرة على الاقتصاد المصري وحركة التجارة العالمية التي تمثل القناة أحد أعمدتها الرئيسية، كما أن تصاعد التوتر الإقليمي قد يفرض ضغوطًا أمنية إضافية سواء عبر احتمالات موجات نزوح جديدة أو تنامي نشاط جماعات مسلحة عابرة للحدود أو تصاعد سباق التسلح في الإقليم.
وبناء عليه فإن ما يجري لا يمكن اختزاله في كونه دعمًا أمريكيًا لإسرائيل فقط، بل ينبغي فهمه ضمن سياق أوسع من التنافس الدولي المحتدم، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن الإقليمي مع رهانات الهيمنة العالمية وتتشابك حسابات الشرق الأوسط مع صراع النفوذ بين القوى الكبرى في مشهد تتداخل فيه مصالح الدول الكبرى مع حسابات الأمن القومي لدول المنطقة وفي مقدمتها مصر.








