حكيمة خالص تكتب .. الاقتصاد التضامنى بين الخبرة والشباب
هل العمر وحده معيار للكفاءة؟
هل تمكين الشباب يقتضي بالضرورة إبعاد ذوي الخبرة؟
هل يمكن أن نبني مستقبلًا قويًا إذا قطعنا الصلة بين الأجيال؟ ماذا لو اعتبرنا الخبرة ثروة وطنية، والشباب طاقة متجددة، والمرأة قوة اقتصادية واجتماعية، ووضعنا الجميع في منظومة واحدة؟
وهل تستطيع التعاونيات أن تحقق رسالتها الحقيقية إذا أصبحت قراراتها رهينة الحسابات الظرفية، أو الاستقطابات، أو المصالح التي تتجاوز أهدافها الاقتصادية والاجتماعية؟وهل نحتاج فعلًا إلى أن يحل جيل محل جيل… أم أننا بحاجة إلى أن يتعلم كل جيل كيف يكمل ما بدأه الجيل الذي سبقه؟هذه الأسئلة ليست ترفا فكريا، إنها أسئلة ترتبط مباشرة بمستقبل قطاع أصبح اليوم جزءا أساسيا من النقاش حول التنمية، وخلق فرص الشغل، والتمكين الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، والقدرة على الاعتماد على الذات.
ربما تكون أول خطوة نحو فهم مستقبل التعاونيات هي أن ندرك خصوصيتها، فالتعاونية ليست مجرد مقاولة تبحث عن الربح، وليست إدارة عمومية، وليست مؤسسة سياسية، إنها كيان اقتصادي واجتماعي يقوم على المشاركة، وعلى الديمقراطية، وعلى المسؤولية الجماعية، وعلى قدرة الأعضاء على تحويل احتياجاتهم وإمكاناتهم إلى مشروع مشترك، ولهذا فإن طريقة التفكير في تدبيرها يجب أن تكون مختلفة، فهي تحتاج إلى الإدارة، نعم.. وتحتاج إلى الحكامة، نعم.. وتحتاج إلى الكفاءة والنجاعة والقدرة على المنافسة، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى الروح التعاونية التي تجعل الإنسان محور العملية الاقتصادية، وليس مجرد رقم داخلها.
ومن هنا تبدأ أهمية النظر إلى مختلف الأجيال باعتبارها عناصر متكاملة، وليس بدائل متصارعة، فلا أحد يمكنه أن ينكر أن لكل مرحلة عمرية خصائصها، الشباب يمتلكون الحيوية، والمرونة، والقدرة على التعامل السريع مع التكنولوجيا والتحولات الجديدة، لكن السنوات تمنح الإنسان شيئًا آخر لا يمكن اختزاله في شهادة أو دورة تدريبية، والخبرة ليست مجرد عدد السنوات التي قضاها الإنسان في العمل.إنها حصيلة مواقف، وتجارب، ونجاحات،وإخفاقات، وقرارات، وأزمات، وحلول، إنها معرفة بما لا يظهر في الكتب، ولهذا فإن السؤال ليس، كم يبلغ عمر الإنسان؟ بل: ماذا يستطيع أن يقدم؟هل ما زال قادرًا على العمل؟هل يمتلك الكفاءة؟
هل يضيف قيمة؟هل لديه الرغبة في الاستمرار؟
إذا كانت الإجابة نعم، فلماذا لا نفكر في الاستفادة من هذه الطاقة بدل التعامل معها باعتبارها انتهت فقط لأن رقما معينا قد تم بلوغه؟
وفي المقابل، إذا أصبح الإنسان غير قادر على الاستمرار أو اختار التقاعد، فمن حقه أن يجد نظاما يحفظ كرامته وحقوقه.
إذن القضية ليست في إبقاء الجميع إلى ما لا نهاية، ولا في إبعاد الجميع عند سن محددة.
القضية هي المرونة والإنصاف وتقدير الكفاءة.
الشباب… ليسوا خصوما للخبرة
من الأخطاء التي قد نقع فيها أن نقدم القضية وكأنها معركة بين جيلين، أو كأننا أمام خيارين: إما الخبرة أو الشباب، وهذا غير صحيح، فالشباب لا يحتاجون إلى إقصاء الجيل السابق حتى ينجحوا، بل يحتاجون إلى أن يجدوا من ينقل إليهم المعرفة ويختصر عليهم الطريق.
الشاب قد يمتلك أفضل أدوات التكنولوجيا، لكنه يحتاج إلى من يعرف طبيعة الميدان.
وقد يمتلك صاحب الخبرة معرفة عميقة بالسوق، لكنه يحتاج إلى من يساعده على فهم أدوات العصر الجديدة.
وهنا يبدأ التكامل الحقيقي.
فالخبرة تمنح العمق، والشباب يمنحون السرعة.. الخبرة تعرف كيفية مواجهة الأزمات، والشباب يعرفون كيف يمكن استخدام أدوات جديدة لمواجهتها، فلماذا لا نجمع هذه العناصر بدل أن نجعلها تتنافس؟
والمرأة… قوة لا يمكن اختزالها ،ولا يمكن لأي رؤية حديثة للقطاع التعاوني أن تتجاهل الدور الاقتصادي والاجتماعي للمرأة.فالمرأة ليست فقط مستفيدة من برامج التمكين....إنها منتجة، ومسيرة، ومقاولة، ومبدعة، وحاملة للمعرفة، وصاحبة قرار...والأهم أن المرأة موجودة في مختلف الأجيال أيضا،هناك المرأة الشابة التي تحمل أفكارا جديدة وطموحا كبيرا ، وهناك المرأة ذات الخبرة التي تمتلك معرفة عميقة بالإنتاج والتدبير والعلاقات الاجتماعية والسوق.
فلماذا لا نجمع هذه الطاقات؟
إن تمكين المرأة لا ينبغي أن يكون مجرد حضور في التقارير والإحصائيات، وإنما يجب أن يتحول إلى مشاركة حقيقية في صناعة القرار التعاوني.
ربما آن الأوان لأن نراجع بعض المفاهيم، فكثيرًا ما نتحدث عن "الإحلال" وكأن نجاح جيل لا يمكن أن يتحقق إلا بمغادرة جيل آخر، لكن ماذا لو انتقلنا من مفهوم إحلال الأجيال إلى مفهوم تكامل الأجيال؟ ماذا لو أصبح صاحب الخبرة مرشدًا للشباب؟وماذا لو أصبح الشاب شريكا في تطوير أدوات العمل؟وماذا لو أصبحت المرأة حلقة أساسية في نقل المعرفة والإنتاج والتدبير؟وماذا لو أنشأنا داخل المقاولات التعاونيات آليات واضحة لنقل الخبرة بين الأجيال؟
هنا لا يخسر أحد،بل يربح الجميع.. نحن نتحدث كثيرًا عن رأس المال المالي،ونتحدث عن الاستثمار،ونتحدث عن الموارد البشرية، لكننا لا نتحدث بما يكفي عن رأس المال المعرفي.
والخبرة المتراكمة هي جزء أساسي من هذا الرأس المال.
قد يغادر شخص منصبه، لكن المعرفة التي اكتسبها خلال عقود لا ينبغي أن تغادر معه.
وهنا يمكن للتعاونيات أن تطور نماذج جديدة:
خبراء ومستشارون من ذوي التجربة، برامج للمرافقة والتوجيه، نقل الخبرات إلى الشباب، تكوين القيادات المستقبلية، توأمة بين الأجيال، وإشراك أصحاب الخبرة في حل المشكلات وتطوير المشاريع، فبهذه الطريقة لا تصبح نهاية المسار المهني نهاية للعطاء، بل انتقالًا من دور إلى دور آخر، التعاونيات تحتاج إلى الاستقلالية… كما تحتاج إلى الوعي، وهناك جانب آخر بالغ الأهمية يتعلق باستقلالية القرار التعاوني، فالتعاونية، مهما كانت طبيعتها، لا ينبغي أن تتحول إلى أداة لخدمة مصالح خارج أهدافها الاقتصادية والاجتماعية، وفي المجتمعات التي تعرف تنافسا سياسيا وانتخابيا، تصبح حماية القرار التعاوني أكثر أهمية، وهنا يجب أن نكون واضحين:
المتعاون مواطن له كامل الحق في اختياراته السياسية، لكن التعاونية ليست حزبا سياسيا، وليست خزانا انتخابيا، الاختلاف السياسي طبيعي، والانتماء السياسي حق شخصي، لكن قرار التعاونية يجب أن يصدر عن وعي أعضائها، وعن مصلحة المؤسسة، وعن أهدافها، وليس عن الولاءات أو الاستقطابات الظرفية، وهذا لا يتحقق بالمنع، وإنما يتحقق بالتكوين والوعي والاستقلالية، فكلما كان المتعاون أكثر معرفة بحقوقه وواجباته، وأكثر فهما لمشروعه التعاوني، وأكثر قدرة على قراءة الأرقام واتخاذ القرار، أصبح أقل قابلية للاستغلال أو التأثير، ومن هنا، فإن بناء الإنسان التعاوني الواعي يجب أن يكون من أولويات السياسات العمومية.
لا نحتاج إلى تعاونيات أكثر فقط… بل إلى تعاونيات أقوى...إن كثرة عدد التعاونيات في حد ذاتها ليست معيارا كافيا للنجاح.
السؤال الحقيقي هو:
هل هذه التعاونيات قادرة على الاستمرار؟ هل لديها حكامة جيدة؟ هل تستطيع الوصول إلى الأسواق؟ هل تخلق قيمة مضافة؟ هل توفر فرصًا اقتصادية حقيقية؟هل تستفيد من الرقمنة؟ هل تستثمر في الشباب؟ هل تحافظ على خبراتها؟ هل تمنح المرأة دورا حقيقيا؟ وهل تستطيع أن تتخذ قراراتها باستقلالية ووعي؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تكون في صلب أي استراتيجية مستقبلية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
رسالة إلى صناع القرار: إننا بحاجة إلى رؤية جديدة للقطاع التعاوني.. رؤية لا تنظر إلى التعاونيات باعتبارها مجرد مستفيد من الدعم، وإنما باعتبارها شريكا في التنمية.. رؤية تستثمر في الإنسان كما تستثمر في المشروع.. رؤية تمنح الشباب الفرصة، لكنها لا تهدر الخبرة.. رؤية تمكن المرأة، ولا تكتفي بالحديث عنها.. رؤية تحمي استقلالية التعاونيات، وترفع مستوى وعي أعضائها.. رؤية تجعل التكنولوجيا وسيلة للتطوير، لا بديلا عن الإنسان.. رؤية تؤمن بأن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني لا يمكن أن يبنى بنصف الطاقات.
نحو اقتصاد يعتمد على الذات
في عالم تتغير فيه الأسواق بسرعة، وتزداد فيه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، يصبح الاعتماد على الذات أكثر من مجرد شعار، إنه ضرورة، لكن الاعتماد على الذات لا يعني الانغلاق، بل يعني أن نعرف كيف نستثمر مواردنا البشرية والمادية والمعرفية، وأن نحولها إلى قيمة اقتصادية واجتماعية.
وهنا يمكن للتعاونيات أن تلعب دورا محوريا، لكنها لن تستطيع ذلك إذا أهدرنا طاقة جيل، أو همشنا الشباب، أو قللنا من قيمة المرأة، أو سمحنا بأن يصبح القرار التعاوني تابعا لحسابات لا علاقة لها بمصلحة التعاونية، فالاقتصاد الذي يعتمد على الذات يحتاج إلى الإنسان بكل مراحله وأدواره.
ماذا نريد من المستقبل؟
ربما لا نحتاج إلى إجابةواحدة.
لكننا نحتاج إلى أن نبدأ بطرح الأسئلة الصحيحة:
هل نستطيع أن نبني نموذجا تعاونيا يجمع بين حكمة الخبرة وجرأة الشباب؟
هل نستطيع أن نجعل المرأة شريكا كاملا في صناعة القرار؟
هل نستطيع أن نحول المعرفة المتراكمة إلى إرث تتوارثه الأجيال؟
هل نستطيع أن نربي جيلا جديدا من المتعاونين يعرف حقوقه وواجباته، ويمتلك القدرة على اتخاذ القرار المستقل؟وهل نستطيع أن نجعل التعاونية فضاءا للتكامل بدل أن تكون ساحة للصراع؟
هذه ليست أسئلة تخص دولة واحدة، إنها أسئلة مطروحة أمام الحركة التعاونية العربية كلها، إن مستقبل التعاونيات لا ينبغي أن يكون معركة بين الماضي والمستقبل، فالخبرة ليست ماضيا فقط، والشباب ليسوا مستقبلا فقط، كلاهما حاضر ومستقبل في الوقت نفسه، الجيل الذي راكم التجربة يمكنه أن يعطي، والجيل الذي يحمل التكنولوجيا يمكنه أن يطور، والمرأة تستطيع أن تضيف إلى الاثنين قوة اقتصادية واجتماعية استثنائية، وعندما تتكامل هذه الطاقات، يصبح لدينا نموذج مختلف: خبرة الأمس وطاقة اليوم ورؤية الغد تساوي اقتصاد اجتماعي تضامني أكثر قوة واستدامة.
ومن هنا، فإن الرسالة التي أوجهها إلى صناع القرار ليست أن نختار بين الأجيال، بل أن نصنع الجسور بينها.. لا نريد جيلا ينتظر رحيل جيل آخر، نريد جيلا يتعلم من جيل، ويطوره، ثم يضيف إليه.
لا نريد تعاونيات تُقاس فقط بعدد أعضائها،نريد تعاونيات تُقاس بقدرتها على خلق القيمة، وبناء الإنسان، ونقل المعرفة، وتمكين المرأة، وفتح الطريق أمام الشباب، وحماية استقلالية القرار، فالتعاون الحقيقي لا يعني أن نتشابه بل أن نختلف، ثم نعرف كيف نعمل معا،وهنا، في رأيي، تكمن القوة الحقيقية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
نحتاج إلى خبرة الأمس، وطاقة اليوم، ورؤية الغد… لأن المستقبل لا يصنعه جيل واحد، وإنما تصنعه الأجيال حين تتعاون.








