رئيس التمثيل التجاري المصري بواشنطن: مصر تعيد تموضعها اقتصاديًا بين ضغوط العجز الأمريكي وفرص «Nearshoring»
في ظل تحولات اقتصادية وجيوسياسية متسارعة، تواصل العلاقات المصرية الأمريكية الحفاظ على زخمها كإحدى ركائز التعاون الاستراتيجي بين البلدين.
وبينما تتبنى الإدارة الأمريكية سياسات تجارية أكثر تحفظاً لمعالجة عجزها التجاري، تسعى مصر إلى تعظيم استفادتها من هذه المتغيرات عبر جذب الاستثمارات وتوسيع قاعدة صادراتها.
وفي هذا السياق، يبرز دور التمثيل التجاري المصري في واشنطن في إعادة صياغة آليات الترويج للاستثمار، بما يعكس توجهًا جديدًا يقوم على سرعة الاستجابة لمتطلبات المستثمرين، وتقديم فرص مخصصة تتوافق مع أولويات الاقتصاد المصري، في وقت تتزايد فيه أهمية مصر كمركز إقليمي للإنتاج والتصدير.
تحديات العجز التجاري الأمريكي
أكد يحيى الواثق بالله، رئيس مكتب التمثيل التجاري المصري في واشنطن، أن الرسوم الجمركية الاستثنائية التي فرضتها الإدارة الأمريكية مرشحة للانتهاء قريبًا، رغم استمرار الغموض بشأن مستقبلها، في ظل توجه أمريكي يعتمد على أدوات مثل رسوم الإغراق والدعم لتعظيم إيرادات الخزانة ومعالجة العجز التجاري الذي تجاوز تريليون دولار.
وأوضح أن هذا العجز، رغم ضخامته، يعكس طبيعة الاقتصاد الأمريكي الذي يمثل نحو 26% من الناتج العالمي ويستهلك أكثر من 40% من الاستهلاك العالمي؛ ما يخلق فرصًا تصديرية لدول مثل مصر، لكنه يحمل في الوقت ذاته مخاطر تتعلق بتقييد الواردات.
أرقام الميزان التجاري
وأشار إلى أن التبادل التجاري بين البلدين شهد قفزة ملحوظة في عام 2025؛ إذ بلغت الصادرات الأمريكية إلى مصر 9.5 مليار دولار، استحوذ قطاع الطاقة على نحو 4.4 مليار دولار منها، وهو ما يفسر جانبًا كبيرًا من العجز التجاري المصري، خاصة في ظل التسهيلات التي تقدمها الولايات المتحدة في سداد واردات الغاز.
في المقابل، بلغت الصادرات المصرية إلى الولايات المتحدة 2.9 مليار دولار بزيادة قدرها 13%، إلا أنها لا تزال دون الطموح، مع اعتماد كبير على اتفاقية "الكويز" (QIZ) التي تمثل نحو 1.3 مليار دولار، معظمها في قطاع الملابس والمنسوجات. وأكد أن الهدف هو تجاوز حاجز 5 مليارات دولار من الصادرات غير البترولية عبر تنويع المنتجات وزيادة القيمة المضافة.
يحيى الواثق بالله رئيس مكتب التمثيل التجاري المصري في واشنطن
نهج الاستثمار الجديد.. "الترويج الذكي"
ولفت إلى أن نحو 75% من المصدرين المصريين يفضلون الأسواق العربية والأوروبية، في ظل تحديات النفاذ إلى السوق الأمريكية من حيث تكاليف النقل، وتعقيد الاشتراطات، وضخامة الطلب، رغم بدء تزايد الاهتمام بها مؤخرًا.
وفيما يتعلق بالاستثمار، أوضح أن الحكومة المصرية تتبنى نهجًا جديدًا قائمًا على "تخصيص الفرص الاستثمارية" وفقًا لاحتياجات كل مستثمر، بدلًا من الترويج العام، مع التركيز على قطاعات ذات أولوية تشمل:
- الصناعات الدوائية.
- الطاقة المتجددة.
- الخدمات المالية والتكنولوجيا والاتصالات.
- التصنيع الزراعي والغذائي.
- قطاع التعدين (خاصة المعادن النادرة).
- الخدمات اللوجستية والرعاية الصحية.
وتعتمد السياسة الجديدة لوزارة الاستثمار والتجارة على الانتقال إلى "الترويج الذكي الموجه"، عبر دراسة احتياجات كل مستثمر وسوق على حدة، مع تسريع الرد على الاستفسارات، ورقمنة الإجراءات، وتقليل البيروقراطية.
الفرص الواعدة والـ Nearshoring
وأكد أن قطاع الدواء يمثل أولوية قصوى، مع توجه نحو تصنيع المواد الفعالة محلياً بدلًا من الاكتفاء بالتجميع، ما يفتح المجال لتعزيز الصادرات إلى أفريقيا. كما أشار إلى فرص كبيرة في قطاع الرعاية الصحية، في ظل احتياج مصر إلى ما بين 170 و200 ألف غرفة مستشفى خلال السنوات المقبلة.
وفي سياق التحولات العالمية، أوضح أن اتجاه "الاقتراب الجغرافي في التصنيع" (Nearshoring) يعزز تنافسية مصر كمركز إنتاج قريب من أوروبا، مستفيدة من انخفاض تكاليف العمالة ووجود بنية لوجستية متميزة تقودها قناة السويس، مشيراً إلى أن 50% من الاستثمارات الأجنبية تتركز حالياً في المنطقة الاقتصادية للقناة.
رسالة للمستثمرين
واختتم الواثق بالله بتوجيه رسالتين: "أقول للمستثمر المصري إن الفرص العالمية أصبحت متاحة أكثر من أي وقت مضى، لكن المنافسة تتطلب سرعة وجرأة في التوسع وتحديث أدوات الإنتاج. وأقول للمستثمر الأمريكي إن مصر اليوم ليست مجرد سوق استهلاكي، بل هي منصة إنتاج وتصدير إقليمية تتيح الوصول إلى ملياري مستهلك في إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، في بيئة تتطور بسرعة وتمنح عوائد تنافسية حقيقية".








