عبد الفتاح الشلبى يكتب .. التعاونيات مظلةً جامعةً وركيزةً للنمو والاستقرار
في ظل ما يشهدُهُ العالم من تحولاتٍ جذريةٍ على صعيد المنظوماتِ السياسيةِ والاقتصاديةِ والاجتماعيةِ والثقافيةِ والسلوكيةِ جراء العديد من المتغيرات الدولية والأحداث غير المتوقعة، والأزمات الناجمةِ عن صُنعِ الإنسانِ أو الخارجة عن إرادته، وما يرتبُط بها من تداعياتٍ سلبيةٍ تطال الجميع دون استثناء، تقودُ إلى حالةٍ من عدم الاستقرار، وفقدان الأمان الاجتماعي والاقتصادي، تبرُز التعاونيات كأداة تنموية فاعلةٍ وجاذبةٍ للأفراد بحثاً عن ذلك الفردوس المفقود باعتبارها أي التعاونيات مجتمعاً مصغراً يتمتع بالاستقلالية ويمتاز بقيم الديمقراطيةِ والتضامنِ والعدالةِ والرفاهِ.
ونحن نشاركُ دولُ العالم هذا العام 2026، احتفالها باليوم الدولي للتعاونيات في أول يوم سبتٍ من شهر تموز من كل عامٍ تحت شعار (التعاونيات من أجل عالمٍ يسُودُهُ السلام)/ (Cooperatives For A Peaceful World)، يتأكد قطعاً أهمية النظر إلى التعاونيات كعاملٍ رئيسٍ في تعزيزِ مفهومِ السلامِ في المجتمعاتِ والدولِ، إذا ما أخذنا بعينِ اليقينِ أن من أهم المبادئ التعاونيةِ الدوليةِ السبعةِ التي أقرَّها التحالف الدولي للتعاونيات (ICA)، "التعاون بين التعاونيات"، الأمر الذي يقتضي تعزيز العمل التشاركي بين التعاونيات، محلياً وإقليمياً ودولياً، بالإضافة إلى الاهتمام بالمجتمع من حيث المساهمة في عملية التنمية المستدامة للمجتمعات؛ استناداً إلى سياساتٍ تنفيذيةٍ وبرامجَ عمليةٍ تحظى بموافقةِ الأعضاء التعاونيين.
وفي الوقت الذي يُصادف فيه اليوم الدولي للتعاونيات الـ 4 من تموز الحالي، نرى في النموذج التعاوني القدرة على مدِّ جسور التواصل بين الأفراد والمجتمعات، وتعزيز عُرى التماسك الاجتماعي والتكافل بين الأعضاء، والمساهمة في بناء عالمٍ مشتركٍ مُحدد الأهداف والتطلعات محوره الإنسان؛ إيماناً بأن الهوية التعاونية تمتلكُ من المقوماتِ والثوابتِ ما يجعلُها مظلةً جامعةً لكل التعاونيين في شتى أرجاء المعمورة، وقادرةً على توحيد الشعوب وتقريب وجهات النظر فيما بينهُمُ، والأهم من ذلك إرساء دعائم الأمان الاقتصادي والاجتماعي، وتحقيق الرفاه لهم، وبما يُعزز من دور التعاونيات في المشاركةِ ببناء عالمٍ أكثرَ استقراراً وسلاماً.
ولأن التعاونيات بمفهومها الأعم ترتكز على قيمٍ أساسيةٍ، هي المشاركة الديمقراطية، والاعتماد على الذات، والتضامن، والمساواة، واجتماع الأفراد طوعاً بهدف تحقيق منافعَ اقتصادية واجتماعية وثقافية مشتركة للأعضاء وخدمة المجتمعات، لذا أعتقد جازماً بأن ذلك برُمتهِ يؤكد أهميتها التنموية ليس كمجرد أداةٍ اقتصاديةٍ بل باعتبارها من ركائز التنمية المستدامة الشاملة، والتي تُسهم بشكلٍ مباشرٍ في بناء مجتمعاتٍ تنعمُ بالعدالة وتتصف بالتماسك البُنيوي والاجتماعي، وتعزيز السلام المجتمعي.
وتحقيقاً للاستقرار المادي والمعنوي لدى الأفراد والمجتمعات، تظهر التعاونيات بإسهاماتها الاقتصادية والإنتاجية والاجتماعية والثقافية والبيئية، والعملياتية من خلال توفير فرص العمل، بصورةِ الفاعل الأكثر تأثيراً على أرض الواقع في شتى الميادين، والأقدر على مواجهةِ مشكلتي الفقر والبطالة بأقل التكاليف والأضرار، وبأعلى المخرجات والحلول الناجعةِ؛ ذلك أن التعاونيات يترتب على عضويتها تحسين الظروف الاقتصادية للأعضاء والمجتمعات الحاضنةِ لها عبر تجميع الموارد المالية لإقامة مشاريعهم الخاصة، والمُدارة ذاتياً من قبلهم ضمن آلية تسودها مبادئ الديمقراطية والشفافية والحوكمة والرقابة، كما أنها تُوفرُ متسعاً لنقل المعرفة وتبادل الخبرات ومراكمةِ الإنجازاتِ بروحِ الفريقِ الواحدِ، وكذلك لدور التعاونيات في تقليل كُلف الإنتاج ومدخلات العمل، وزيادة القدرة التنافسية في الأسواق لما يتمتع به المنتج التعاوني من مأمونيةٍ والتزاماً بالاشتراطات الصحية المعتمدةِ، وجودةِ وقبولِ من المستهلكين، والخدمات الداعمةِ للتعاونيات، والتي لا يتأتى الحصول عليها بالعمل الفردي مقارنةً بنظيره الجماعي المُتجذرِ في التعاونيات.
محلياً، مثلت التعاونيات في الأردن أنموذجاً يحتذى به في التعاطي مع تداعيات الأزمات غير المتوقعةِ، خاصة إبان أزمة جائحة فيروس كورونا (كوفيد 19)، إذ ساهمت التعاونيات الزراعية تحديداً، والتي يتجاوز عددها (350) تعاونيةٍ، في ضمان استمرارية توريد سلاسل الغذاء (الخضروات والفواكه) لكافة القاطنين على أراضي المملكة في وقتٍ شهد فيه العالم تعطُلاً قسرياً لمختلف مفاصلِ الحياة كان أقرب إلى حالة الشلل التام، فيما التعاونيات أثبتت قدرتها على الصمود أمام الأزمات والظروف غير المألوفة، والتكيف مع تلك المستجداتِ بكفاءةٍ ومسؤوليةٍ يُشارُ إليها بالبنان، فكانت خيرُ مثالٍ للتضامن والتكاتف والتماسُك المجتمعي.
هذا الدور المحوري الذي لعبتهُ التعاونيات الزراعية خلال جائحة (COVID 19) في بلدنا كان محطَّ اهتمام القيادة الهاشمية الحكيمة، وحكومتنا الرشيدة التي امتثلت للتوجيهات الملكية بدعمِ التعاونياتِ، لا سيما الزراعية لتعظيم شأنها في تعزيز منظومة الأمن الغذائي على المستوى الوطني، وبشكلٍ مستدامٍ، كما وجاء متناغماً مع مخرجات رؤية التحديث الاقتصادي التي حظيت برعايةٍ مباشرةٍ من قبل جلالة الملك عبدالله الثاني، حفظه الله، بضرورة العمل على تأسيس منظومة التعاونيات والاتحادات الزراعية، وزيادة مساهمتها في التنمية المحلية، وهو ما التقطته المؤسسة التعاونية الأردنية مُبكراً ضمن استراتيجيتها الوطنية للحركة التعاونية (2021-2025)، وتم تمديد العمل بها للعامين (2026-2027) للمضي قًدُماً في تأسيس كلٍ من صندوق ومعهد التنمية التعاوني في أعقاب صدور قانون التعاونيات رقم (13) لسنة 2025، ولاستكمال إقرار نظامي الصندوق والمعهد، وتحديث نظامي التعاونيات والاتحادات.
ونرى في هذا الصدد بأن التعاونيات بحد ذاتها تُمثل نظاماً اقتصادياُ اجتماعياً تضامنياً مِحورُهُ الإنسان يهدف إلى تحقيق النمو الاقتصادي، وضمان جودة الحياة للأفراد والمجتمعات من خلال التكافل والعمل الجماعي وتحسين أنماط الحياة، وتفعيل المشاركة المجتمعية في التنمية المستدامة الشاملة في مناطق الحضر والريف والبادية، فكانت بذلك أداةً لِلسِلمِ والأمنِ المجتمعي بالتضامنِ والتكافلِ والمشاركةِ والمساواةِ، وهي بذاتها القِيم التي يَستلهِمُهَا التعاونيون في إدارةِ التعاونياتِ.
ولا يقفُ الأمرُ عند ذلك فحسب، لدى الحديث عن قدرة التعاونيات على المساهمة في استقرار المجتمع إلى جانب المزارعين مع توسع التعاونيات الزراعية لدينا في زراعة محاصيل القمح والشعير والأعلاف الخضراء المدعومِةِ من الحكومةِ عند عمليتي البيع والشراء بأسعارِ تفضيليةٍ وتنافسيةٍ لأجل تعزيز الأمن الغذائي على هذا الصعيد الحيوي المرتبط بأحد أهم أقوات الناس، أفراداً وجماعاتٍ.
بكل تأكيدٍ يمكن القول إن أثر التعاونيات لا يقتصر على الجانبٍ الاقتصادي فقط، بل يتجاوز ذلك نحو تعزيز أواصر الروابط الاجتماعية بين الأعضاء، وترسيخ مفاهيم قيميَّةٍ تُعظم من الثقة والتعاضد بين أفراد المجتمع على اختلاف انتماءاتهم وأفكارهم ومعتقداتهم، وصولاً إلى المشاركة الجماعية في اتخاذ القرار، وديمقراطية التمثيل والإدارة، مما يمنح أعضاء التعاونيات القدرة على التعاطي بمسؤوليةٍ وشفافيةٍ مع التحدياتِ والقضايا الطارئةِ على العمل التعاوني، وبالتالي تعزيز لغة الحوار وقبول الآخر، والتوافق ضمن تشاركيةٍ جليةٍ حيال الملفات المطروحةِ للنقاش أو الخاضعةِ للتصويت، وبصوتٍ واحدٍ محورُهُ صوتُ الإنسان لا صوتَ رأسمال؛ وذلك بهدف تحقيق منفعةٍ عامةٍ محكومةٍ بمعايير العدالةِ وحرية الرأي والحاكميةٍ الرشيدةٍ دون أدنى شائبةٍ.
ولعلَّنَا نُدركُ بذلك أن التعاونيات تتجاوز في دورها التنموي مفاهيم الاستدامة والنمو الاقتصادي، والصمود للمجتمعات نحو تحقيق مبدأ الإدماج الواسع للأفراد من خلال إتاحتها المجال لكافة الفئاتِ المجتمعيةِ من الانخراط في العمل، والوصول إلى الفرص الاقتصادية والمشاركة في عملية الإنتاج، وصنع القرار المرتبط بإدارة التعاونية، وما ينبثقُ عنها من مشاريع تنمويةٍ، فضلاً عن استقطابها بالدرجة الأولى للفئات المُهمشةِ اقتصادياً، وتحديداً النساء والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة، وتمكينهم مالياً وتدريبياً وثقافياً، وصولاً إلى تقليص الفجوات الاجتماعية والاقتصادية، وتوفير العمل اللائق، وتعزيز مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع الأعضاء.
وهذا ما تنبهت إليه المؤسسة التعاونية الأردنية في قانون التعاونيات لسنة 2025، ونصت عليه صراحةً، لجهة إدماج تلك الفئات (الشباب/ النساء/ الأشخاص ذوي الإعاقة) في العمل التعاوني، ومن خلال قرار مجلس إدارتها بتخفيض رسوم تأسيس التعاونيات الشبابية والزراعية والنسائية لـ (45) ديناراً عوضاً عن (185) ديناراً.
جُماعُ القولِ، إن التعاونيات بما تُمثلهُ من نموذجٍ تنموي متشعبٍ، محوره ُ الإنسان في المقام الأول، يُسهِمُ في تحقيق المنفعةِ الاقتصاديةِ، وتعزيز قيم المساواةِ والعدالةِ والتضامنِ والتكافلِ والمسؤوليةِ بين مختلف الفئات الاجتماعية في الوقت ذاته، قادرةٌ بطبيعتها الفكرية والعملية والثقافية في التأثير على المستويات المحليةِ والإقليميةِ والدوليةِ من أجل بناءِ عالمٍ يسُودُهُ السلام في ظل ما نشهدُهُ اليوم من أزماتٍ واضطراباتٍ عالميةٍ تعصِفُ بمفاهيمِ السلامِ والاستقرارٍ والرفاهِ والنماءِ.








